الخميس، 24 سبتمبر 2026

قد تظهر الفيروسات الوبائية فجأة ودون سابق إنذار

من فيروس نقص المناعة البشرية إلى كوفيد-19، بدأت بعض أخطر تفشيات الأمراض في العصر الحديث عندما انتقل مسبب المرض من الحيوانات إلى البشر. ويراقب الباحثون، الذين يأملون في التنبؤ بالأوبئة المستقبلية ومنعها، هذه "الأحداث العابرة" عن كثب، والتي أصبحت أكثر شيوعًا مع ازدياد احتكاك البشر بالحياة البرية نتيجة لتغير المناخ وإزالة الغابات.
لكن ماذا لو كان هؤلاء العلماء يبحثون عن الوباء القادم في المكان الخطأ؟
بينما تتطور بعض حالات انتقال العدوى من الحيوانات إلى الإنسان إلى أوبئة، فإن العديد من الأمراض الحيوانية المنشأ تتلاشى في نهاية المطاف لأنها تواجه صعوبة في الانتشار بفعالية من شخص لآخر، وهو سيناريو يُعرف بسلسلة انتقال العدوى المحدودة ذاتيًا أو المتقطعة. على سبيل المثال، لم تتطور حالات تفشي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، التي يسببها فيروس (MERS-CoV) ينتشر بشكل طبيعي في الخفافيش والإبل، إلى أوبئة كبيرة. ومع ذلك، فإن تكرار حالات انتقال العدوى من الحيوانات إلى الإنسان يُثير القلق، إذ يُفسر على أنه تحذير من أن الفيروس على وشك أن يصبح تهديدًا على مستوى الوباء.
لكن هذا التوقع يتعارض مع التاريخ ، كما يرى فريق من الباحثين. فالفيروسات الوبائية الحديثة، مثل فيروس سارس-كوف-2، لم تُكتشف إلا بعد أن اكتسبت جميع الخصائص اللازمة لانتشارها السريع بين البشر. في المقابل، فإن مسببات الأمراض التي تُكتشف خلال سلاسل انتقال محدودة ذاتيًا، عادةً ما تفشل في الانتشار عالميًا.
ويشير الفريق إلى استثناء واحد، وهو مرض الجدري الطفيلي (mpox)، الذي تحوّل إلى حالة طوارئ صحية عامة بعد سنوات من انتقال العدوى بشكل متقطع. ومع ذلك، يجادلون بأن الانتشار العالمي لمرض الجدري الطفيلي (mpox) ربما ساهم فيه التوقف عن استخدام لقاحات الجدري، وليس التغيرات الجينية التي طرأت على الفيروس بعد انتقال العدوى عدة مرات.
استخدم مؤلفو الدراسة أيضًا النمذجة الرياضية لدراسة سيناريو يتطلب فيه الفيروس خمس طفرات حاسمة ليصبح معديًا بين البشر. ووجدوا أن الفيروس، بشكل عام، إما أن يُطلق العنان لإمكانية انتشاره الوبائي فور إصابة أول إنسان، أو أنه سيواجه طريقًا مسدودًا في سلسلة انتقال محدودة ذاتيًا. تشير النتائج إلى أنه بدلًا من أن تُمثل حالات انتقال العدوى الفاشلة السابقة المتعددة خطرًا، فإنها في الواقع تُقلل من المخاوف من أن يُشعل مُسبب المرض جائحة. داء الكلب، على سبيل المثال، أصاب ملايين البشر على مر القرون، دون أن يكتسب القدرة على الانتقال من شخص لآخر.
إذا ثبتت صحة هذه النتائج، فإن الفيروسات التي يجب على العلماء تتبعها عن كثب هي تلك الأقل احتمالاً للتسبب في الأوبئة؛ ومن المرجح أن يظهر الوباء التالي الفعلي دون إطلاق إنذار بانتقال العدوى.
وهذا يعني، كما يوضح الفريق، أنه يتعين على العلماء التركيز على عوامل الخطر الأخرى. فعلى سبيل المثال، قد تفتح ممارسات الزراعة مسارات تطورية جديدة للفيروسات من خلال تفشيها في أنواع حيوانية وسيطة، مثل المنك والماشية. وفي الوقت نفسه، قد تمنح العدوى المزمنة لدى الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة الفيروسات فرصة لتراكم المزيد من الطفرات.
يخلص الفريق إلى القول: "إن أي دليل على احتمال ظهور مسار بيئي جديد، مثل استمرار انتشار نوع جديد، ينبغي أن يثير القلق، حتى لو لم يتسبب هذا المسار الجديد بعد في إصابات بشرية مؤكدة. وهذا ينطبق بشكل خاص لأن الإصابة الأولى لدى البشر قد تكون بحد ذاتها سبباً محتملاً لظهور جائحة، بقدر ما هي إنذار بعاصفة قادمة." 

المزيد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق